تتطرق نايلة الصليبي في"النشرة الرقمية" إلى الإدانة التاريخية لـ"ميتا" و"غوغل" في دعوى قضائية ،حيث بدأت المحاكم الأمريكية تطرح سؤالاً لم يكن مطروحاً من قبل:هل يتحمّل مصمّمو الإدمان الرقمي مسؤولية قانونية عمّا يفعله إبتكارهم بعقول أطفالنا؟
عمالقة التكنولوجيا أمام القضاء: أحكام تاريخية تهدد حصانة المنصات الاجتماعيةفي غضون أيام قليلة، شهدت ولايتا كاليفورنيا ونيو مكسيكو أحكاماً قضائية قد تُعيد رسم حدود المسؤولية القانونية لشركات التكنولوجيا الكبرى في الولايات المتحدة. الأولى أصدرتها محكمة لوس أنجلوس، وألزمت فيها شركتَي "ميتا" و"غوغل" بدفع ثلاثة ملايين دولار لشابة أدمنت على منصاتهما منذ طفولتها. والثانية صدرت عن هيئة محلفين في سانتا فيه، وقضت بإلزام "ميتا" وحدها بدفع 375 مليون دولار في قضية رفعها المدعي العام لولاية نيو مكسيكو لحماية القاصرين.
ما يجمع الحكمَين ليس التشابه في الأرقام، بل التشابه في المنطق القانوني: الهجوم لم يكن على المحتوى، بل على التصميم.
الطفولة الرقمية وجراحها: قصة المدّعية في لوس أنجلوسبدأت القضية في كاليفورنيا : فتاة أمريكية لم تتجاوز السادسة حين اكتشفت" يوتيوب"، ولم تبلغ التاسعة حين انضمت إلى "إنستغرام". وسرعان ما تحوّلت هذه العلاقة المبكرة مع الشاشات إلى إدمان موثّق طبياً ونفسياً.
تابع معالج نفسي حالتها خلال سنتيها الثالثة عشرة والرابعة عشرة، وأثبت وجود اضطرابات سلوكية حادة: نوم مقطّع، وانعزال اجتماعي متزايد، وتراجع في المستوى الدراسي، كلها أفضت إلى اكتئاب متصاعد. والأشد إيلاماً في الملف أن المدّعية حاولت إنهاء حياتها أكثر من مرة وهي في العاشرة من عمرها. وحتى بعد بلوغها، لا تزال تعاني من قلق حاد عند مجرد التفكير في الابتعاد عن هاتفها.
كانت منصتا "تيك توك" و"سناب شات" في قفص الاتهام أيضاً، إلا أنهما توصّلتا إلى تسوية خارج المحكمة وأُعفيتا من المثول القضائي.
الحكم ومنطقه: التصميم هو الجريمةخلصت هيئة المحلفين في لوس أنجلوس إلى أن "ميتا" و"غوغل" لم تكتفيا بتوفير منصات للتواصل، بل عمدتا إلى تضمين تطبيقاتهما عناصر مُصمَّمة خصيصاً لإبقاء المستخدمين، بمن فيهم القاصرون، مرتبطين بها لأطول فترة ممكنة. وشمل ذلك نظام الإعجابات، وبنية خوارزميات الخلاصة، ومنظومة الإشعارات المتواصلة.
صدر الحكم بثلاثة ملايين دولار، وزُّعت بنسبة 70% على "ميتا" مالكة إنستغرام، و30% على "غوغل" مالكة" يوتيوب". وبعد دقائق معدودة من الإعلان عنه، أعلنت "ميتا" استئنافه، فيما رفضت "غوغل" الحكم من الأساس مستندةً إلى أن "يوتيوب منصة بثٍّ مصمَّمة بمسؤولية وليست شبكة اجتماعية".
نيو مكسيكو: الولاية التي ذهبت أبعد من الجميعفي الوقت الذي كانت فيه هيئة المحلفين في لوس أنجلوس تتداول في حكمها، كانت قضية موازية تشتعل في الجانب الآخر من البلاد. المدعي العام لنيو مكسيكو راؤول توريز رفع دعوى ضد "ميتا" منذ أواخر عام 2023، متهماً إياها بتعريض الأطفال لمحتوى غير لائق وتسهيل وصول المتحرشين إليهم عبر منصاتها.
في الرابع والعشرين من مارس 2026، أصدرت هيئة محلفين حكمها التاريخي: 375 مليون دولار، يعكس حجم الضرر الجماعي على أكثر من 200 ألف مستخدم قاصر نشط في الولاية وحدها - وهو مبلغ كبير وإن جاء دون ملياريْ دولار اللذَين طالب بهما المدعي العام. استغرقت هيئة المحلفين أقل من يوم واحد للتوصل إلى حكمها بعد ستة أسابيع من المرافعات.
أعلن توريز أن هذا الحكم "يجب أن يوجه رسالة واضحة إلى مسؤولي شركات التكنولوجيا"، مضيفاً أن "لا توجد شركة فوق القانون". وردّت "ميتا" بالموقف ذاته: الاستئناف.
المادة 230: الدرع الذي بدأ يتصدعلعقود، أفلتت شركات التواصل الاجتماعي من المسؤولية القانونية بفضل ما يُعرف بالمادة 230 من قانون الاتصالات الأمريكي، التي تُعفي هذه الشركات من أي مسؤولية عن المحتوى الذي ينشره مستخدموها.
غير أن محاميي الدعوتَين انتهجوا استراتيجية مختلفة بالكامل: بدلاً من مهاجمة المحتوى ذاته، وجّهوا اتهاماتهم إلى التصميم المتعمَّد للمنصات وإلى إخفاق الشركات في التحذير من مخاطر الإدمان. وهي الاستراتيجية القانونية ذاتها التي نجحت في وقت سابق ضد صناعة التبغ. هذا التحوّل في المقاربة القانونية هو ما يمنح هذين الحكمَين ثقلاً يتجاوز مبالغهما المالية.
تحوّل عالمي في مواجهة المنصاتالضغط على شركات التكنولوجيا لا يأتي من الولايات المتحدة وحدها، إذ تسعى فرنسا وعدد من دول العالم إلى تشريعات تحظر استخدام هذه المنصات من قِبَل من هم دون الخامسة عشرة من العمر. ويبدو أن الأحكام القضائية الأمريكية الأخيرة ستُعزز هذه التوجهات وتمنحها زخماً إضافياً.
ما الذي يعنيه هذا فعلاً؟بصرف النظر عن نتائج مرحلة الاستئناف، ثمة سابقة أصبحت راسخة الآن: محكمتان في ولايتَين مختلفتَين حكمتا بأن تصميم المنصات الرقمية، لا محتواها فقط ، يمكن أن يُشكّل أساساً للمسؤولية القانونية. ويتوقع المراقبون أن يفتح ذلك الباب أمام موجة من الدعاوى المماثلة التي تستهدف عمالقة القطاع الرقمي في أرجاء الولايات المتحدة وخارجها.
زمن الإفلات من المساءلة ربما لم ينتهِ بعد، لكنه بات يُحتضَر.
يمكن الاستماع لـ "بودكاست النشرة الرقمية" على مختلف منصات البودكاست. الرابط للبودكاست على منصة أبل
للتواصل مع نايلة الصليبي عبر صفحة برنامَج"النشرة الرقمية"من مونت كارلو الدولية على لينكد إن وعلى تويتر salibi@ وعلى ماستودون وبلوسكاي عبر موقع مونت كارلو الدولية مع تحيات نايلة الصليبي
Fler avsnitt av النشرة الرقمية
Visa alla avsnitt av النشرة الرقميةالنشرة الرقمية med مونت كارلو الدولية / MCD finns tillgänglig på flera plattformar. Informationen på denna sida kommer från offentliga podd-flöden.
