تستضيف نايلة الصليبي في"النشرة الرقمية" محمود غزيل، الصحفي والمدرب في التحقق من الأخبار المضللة، للحديث عن منهجية توظيف نماذج الذكاء الاصطناعي في التحرير الصحفي،في ضوء إشكاليات التحيز الخوارزمي المرتبط بالبلد المنشأ أو الشركة المطوِّرة، فضلًا عن متطلبات الشفافية وأخلاقيات المهنة.
الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار: بين الاستخدام الأمثل وفخ الاتكال المفرطيتوفر اليوم عدد كبير من نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، يمكن استخدامها بسهولة وفاعلية، مجانًا أو باشتراك شهري بتكلفة معتدلة. وقد بات كثيرون يوظّفون هذه النماذج في عملهم اليومي، فهي تُستخدم في غرف الأخبار من قِبَل الصحفيين للتحرير ومراجعة الأخبار، كما يلجأ إليها غير الصحفيين للكتابة والتحقق من المعلومات.
وهذا ما يطرح تساؤلات حول منهجية توظيف هذه النماذج في التحرير الصحفي، لا سيما في ضوء إشكاليات التحيز الخوارزمي المرتبط ببلد المنشأ أو الشركة المطوِّرة، فضلًا عن متطلبات الشفافية وأخلاقيات المهنة. فكيف يمكن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار دون الوقوع في فخ التنميط والهلوسة والمعلومات المضلِّلة؟
محمود غزيل: لا شك أن انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي وتوسّعها فتحا الباب أمام كثير من الصحفيين وغيرهم لاستخدام هذه الأدوات دون تكلفة تُذكر. غير أنه على الرغم من هذه الديمقراطية في الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي، نلاحظ اليوم، ولا سيما في الأجيال التي نشأت في عصر الذكاء الاصطناعي أو دخلت العمل الإخباري في ظل تطوره الراهن، أن الاعتماد عليه بات مفرطًا. فمن خلال تعاملي مع صحفيين وإعلاميين في غرف الأخبار خلال الفترة الماضية، تبيّن لي أنهم يعتمدون على أدوات الذكاء الاصطناعي أحيانًا في العمل التحريري، وأحيانًا في عمليات البحث والوصول إلى المصادر، بل يتعاملون معها باعتبارها مرجعًا نهائيًا لا يحتاج إلى مراجعة.
وهنا نقع في مشكلتين رئيسيتين: الأولى أن معلومات الذكاء الاصطناعي ليست بالضرورة صحيحة بنسبة مئة بالمئة. وأبرز مثال على ذلك ما نراه من صحفيين يلجؤون إلى منصة تويتر ويتواصلون مع "غروك" للتأكد من المعلومات والتحقق منها، أو لمعالجة البيانات والتفاصيل، ثم يعتبرون ما تُخرجه هذه الأداة حقيقةً مسلَّمًا بها.
أما المشكلة الثانية، فتتجلى حين يلجأ المحررون إلى الذكاء الاصطناعي لكتابة المواد أو إجراء البحث نيابةً عنهم. فمن جهة، قد تبدو المادة جيدة ومقروءة وتُشكّل إضافة إيجابية لعملهم، إلا أنه من جهة أخرى نلاحظ أن التقارير باتت شبه متطابقة بين أكثر من وسيلة إعلامية، وتسير وفق الأنماط ذاتها، لأن الذكاء الاصطناعي يكتب بأسلوب موحّد والمصادر التي يعتمدها هي نفسها. فإذا بحث أكثر من شخص في الموضوع ذاته ، كارتفاع منسوب المياه في أحد أنهار العراق مثلًا، مستخدمين الأداة نفسها، فستكون المصادر واحدة والمحتوى متكررًا، بل قد تتطابق مخرجات الذكاء الاصطناعي تمامًا، مما يُفضي إلى استنساخ طريقة تفكير واحدة عبر مواقع ووسائل إعلامية متعددة.
س/ انطلاقًا مما ذكرتَ، محمود غزيّل، كيف يمكن اليوم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بفاعلية كصحفيين في غرف الأخبار، تفاديًا للوقوع في مشكلة التنميط في الكتابة والتحرير؟محمود غزيل:إن استخدام الذكاء الاصطناعي ليس أمرًا مذمومًا بطبيعته، فهو قد دخل حياتنا اليومية وبات مساعدًا فعّالًا متى أحسنّا توظيفه. وغرف الأخبار الكبرى، كوكالة رويترز، تُقرّ صراحةً باستخدام الذكاء الاصطناعي، لكن بصورة مسؤولة وفق منهجيات محددة مسبقًا. فرويترز مثلًا تُعلن أن للمحرر العامل ضمنها الحق في استخدام الذكاء الاصطناعي، لكن بشرط أن يكون العنصر البشري هو نقطة البداية ونقطة النهاية قبل النشر، فيما يؤدي الذكاء الاصطناعي دورًا وسيطًا: يُحلّل المعطيات والبيانات والتقارير، ويُسهم في مراجعة المستندات الضخمة، ويُعين على صياغة بعض العبارات وتصحيح الأخطاء الإملائية والنحوية، دون أن يكون هو المنتِج الأصلي للمادة.
وهنا لا بد من الإشارة إلى نقطة جوهرية، وهي أن أدوات الذكاء الاصطناعي في تطور مستمر، إذ نسمع مثلًا أن "شات جي بي تي" سيُحيل عددًا كبيرًا من قواعد بياناته إلى التقاعد، مما يعني أن المعلومات التي تُبنى عليها المادة الصحفية اليوم قد تصبح قديمة أو تتغير جذريًا. لذا يتوجب على الصحفي الذي يعتمد على أداة ذكاء اصطناعي أن يُولي اهتمامًا بالغًا للإصدار المستخدم، سواء أكان "شات جي بي تي 4" أم "5"، أو "غروك 1" أم "2"، أو أي إصدار آخر.
فضلًا عن ذلك، ثمة فرق جوهري بين أسلوبَين في التعامل مع الذكاء الاصطناعي: أسلوب الوجهة وأسلوب الرحلة. كثيرون يلجؤون إلى ما يمكن تسميته بـ"أسلوب الوجهة"، بمعنى أنهم يطلبون مباشرةً من الأداة تلخيص موضوع أو إبداء رأيها فيه، فيُصبح ما تُخرجه هو الناتج النهائي. وهنا تكمن أكبر الأخطاء، لأن طلب رأي الذكاء الاصطناعي يتجاهل حقيقة أنه لا يملك رأيًا حقيقيًا، بل يستند إلى قواعد بيانات.
في المقابل، أسلوب الرحلة هو الأجدى، إذ يُوظَّف الذكاء الاصطناعي وسيلةً للتوجيه نحو المعلومة الصحيحة لا بديلًا عنها. فبدلًا من طلب ملخّص جاهز، يسأل الصحفي: "كيف يمكنني التثبّت من هذه الفيديوهات؟" أو "ساعدني في تحديد الأطراف المعنية والمعلومات ذات الصلة" أو "ما الجوانب التي قد تفوتني في هذا الموضوع؟". وبهذا الأسلوب يحافظ الصحفي على ملكة البحث ويوسّع آفاقه، إذ يكتشف زوايا متعددة لم يكن ليصل إليها لو اكتفى بطلب إجابة جاهزة. أما حين يقتصر على أسلوب الوجهة، فإنه يُفقد نفسه ميزة البحث المستقل في مصادره، سواء الرقمية منها أو الميدانية.
س/ هذا يعني أنه يجب العودة إلى المهمة الأساسية للصحفي، وهي التقاطع بين الأخبار والتحقق من المعلومات التي تقدمها أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي؟محمود غزيل:بالتأكيد. فعمل الصحفي لن يختفي. وما نراه رغم تطور أدوات الذكاء الاصطناعي وإسهامها في تعزيز مهارات الصحفي وصقلها، هو أن الصحفي يبقى الحَكَم الأساسي الذي يرسم المواد ويُشكّلها، بل وحتى في أبسط المهام: معرفة كيفية تنظيم المواد وتقديمها للجمهور.
ونحن نلاحظ اليوم أن كثيرًا من الناس يشاهدون مقاطع مصنوعة بالذكاء الاصطناعي عبر "إنستغرام" و"يوتيوب" و"تيك توك"، لكن المعلومة التي تؤثر فيهم حقًا وتترك أثرًا في حياتهم هي تلك الصادرة عن صحفي موثوق أو وسيلة إعلامية مهنية ذات مصداقية. وهذا يُثبت أن الصحافة، مهما تطورت أدواتها، تظل قائمةً على الصحفي ومصادره وخبرته والتعاطي المهني، وهذا هو الأساس الراسخ للعمل الصحفي والإعلامي على الدوام.
يمكن الاستماع لـ "بودكاست النشرة الرقمية" على مختلف منصات البودكاست. الرابط للبودكاست على منصة أبل
للتواصل مع نايلة الصليبي عبر صفحة برنامَج"النشرة الرقمية"من مونت كارلو الدولية على لينكد إن وعلى تويتر salibi@ وعلى ماستودون وبلوسكاي عبر موقع مونت كارلو الدولية مع تحيات نايلة الصليبي
Fler avsnitt av النشرة الرقمية
Visa alla avsnitt av النشرة الرقميةالنشرة الرقمية med مونت كارلو الدولية / MCD finns tillgänglig på flera plattformar. Informationen på denna sida kommer från offentliga podd-flöden.
