تتطرق نايلة الصليبي في "النشرة الرقمية" إلى كشف عملية "الغضب الملحمي" عن تحولات بنيوية في فلسفة الحرب الحديثة وعن كسر الصورة النمطية للمسيّرة كـ "سلاح للفقراء".حيث أثبتت هذه التحولات أن الطائرات المسيّرة لم تعد عنصراً مضافاً إلى الترسانات التقليدية.
عصر "الأسراب الذكية"لم يعد التفوق العسكري رهيناً بامتلاك أضخم الأساطيل الجوية أو أغلى المنظومات الصاروخية. لم تعد الطائرات المسيّرة مجرد أدوات استطلاع و لم تعتد تقتصر على المهام الاستخباراتية، بل تحولت إلى وحدات قتالية مستقلة تعيد رسم ملامح النزاعات المسلحة في القرن الحادي والعشرين. رسّخت جملة من النزاعات الأخيرة هذا التحوّل على أرض الواقع.
ففي الأول من يونيو 2025، نفّذت القوات الأوكرانية عملية «شبكة العنكبوت» (Spiderweb)، حين أطلقت أكثر من مئة طائرة انتحارية لضرب أهداف استراتيجية روسية في العمق، مُسجِّلةً بذلك منعطفاً في مفهوم توظيف هذا السلاح. كذلك، تبادل الجانبان الإيراني والإسرائيلي مئات المسيّرات خلال نزاع يونيو 2025، ما يكشف عن قدرة هذا النوع من الأسلحة على تشكيل خطوط المواجهة وتحديد مساراتها.
استراتيجية التكامل بين المسيّرات والأسلحة التقليديةفي الثامن والعشرين من فبراير ٢۰۲٦، انطلقت العملية العسكرية "الغضب الملحمي" المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.فقد اعتمدت العملية استراتيجية "الاختراق الأولي" عبر المسيّرات لتحييد الرادارات ومواقع الصواريخ الإيرانية، مما فتح ممرات آمنة لمقاتلات "F-35 "وصواريخ "توماهوك". قبل أن تتطور في مرحلة ثانية إلى حملة "قطع رأس" تستهدف هياكل القيادة العليامع تقليص الخسائر البشرية في صفوف التحالف الأمريكي- الإسرائيلي.
اعتمد التحالف اعتماداً محورياً على الطائرات المسيّرة أداةً للاختراق، وفي مقدمتها مسيّرة "لوكاس"-LUCAS- الأمريكية التي دُشِّن استخدامها الميداني لأول مرة. خلال هذه العملية. تُعدّه المسيّرة الانتحارية لوكاس منخفضة التكلفة، إذ لا تتجاوز قيمة الوحدة ألف دولار، وقد استُلهم تصميمها من "شاهد-۱۳٦" الإيرانية. استُخدمت بكثافة لإغراق منصات الإطلاق والمطارات ومراكز القيادة، هذا وعززت إسرائيل الهجوم بذخائر متسكعة ذكية من طراز "هاروب" و"هاربي" لضمان الاستطلاع والقمع المستمر للدفاعات. الذخيرة المتسكعة loitering munitionهي نوع من الأسلحة الجوية المزودة برأس حربي مدمج، تُصمم عادةً للتجول حول المنطقة المستهدفة، حتى تعثر على هدفها ثم تهاجمه بالاصطدام به.
الترسانة الإيرانيةواجهت إيران عقوداً من الحصار التكنولوجي والعقوبات الدولية التي حالت دون بناء سلاح جوي تقليدي قوي فكانت المسيّرات هي البديل الاستراتيجي الذي راهنت إيران عليه، على مدى سنوات جهزت ترسانةً هجومية واستطلاعية موزّعة بين الجيش النظامي والحرس الثوري.
من أبرز نماذج الترسانة الإيرانية للمسيرات :
-شاهد-۱۳۱/۱۳٦: طائرات انتحارية بعيدة المدى تتجاوز ألفَي كيلومتر، ذات بصمة رادارية منخفضة، مُصمَّمة لاستهداف البنية التحتية الحيوية ومراكز القيادة.
-مهاجر: سلسلة مسيّرات متوسطة المدى تؤدي مهام الاستطلاع والضربات الدقيقة الموجّهة.
-أبابيل وشاهيد-۱٢۹: منصات مسلّحة سبق توظيفها في عمليات ميدانية في سوريا والعراق، تجمع بين الدقة والمرونة التكتيكية.
-آرش ومنظومات الحرب الإلكترونية : طائرات متخصصة في تعطيل منظومات العدو الرادارية وشبكات اتصالاته. أنشأته قوات الدفاع الجوية الإيرانية. بنسختين رادار آرش ١، ورادار آرش ٢ مزدوج الأبعاد الذي يتميز بأنه قادر على رصد نطاق الأهداف بزاوية ٣٦۰ درجة وارتفاع ۱٠٠ ألف قدم.بالإضافة إلى منظومات الحرب الإلكترونية من طائرات متخصصة في تعطيل منظومات العدو الرادارى وشبكات اتصالات.
وتعتمد العقيدة الإيرانية على "هجمات الأسراب" وعلى مبدأ الإغراق الكمّي بتكلفة زهيدة؛ إذ يُعادل صاروخ اعتراضي واحد ثمنَ عشرات المسيّرات المهاجِمة، لإنهاك دفاعات الخصم وهو ما تجسد في ردها عبر موجات مختلطة من المسيّرات والصواريخ الباليستية التي استهدفت مطارات وقواعد عسكرية في المنطقة، لإرهاق منظومات "القبة الحديدية" و"باتريوت" وإفقادها طاقتها الاعتراضية.
التحولات من التكنولوجيا إلى الاستراتيجيات العسكريةتجاوزت عملية "الغضب الملحمي" نتائجها الميدانية المباشرة، لتكشف عن تحولات بنيوية في فلسفة الحرب الحديثة
- إسقاط أسطورة الدفاع الجوي الثابت: وجدت المنظومات الإيرانية المبنية على رادارات ثابتة نفسها عاجزة أمام وتيرة المسيّرات المتسارعة، ولا سيما حين اقترن ذلك بعمليات سيبرانية موازية استهدفت سلاسل القيادة والسيطرة.
- ديناميكية السلاح المتكيّف: دحضت العملية الأطروحة القائلة إن المسيّرات سلاح الدول الأضعف حصراً. فحين تبنّى التحالف الكثافةَ العددية ذاتها وزاوجها بالدقة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي في التوجيه والتنسيق، استعاد الأفضلية الاستراتيجية الكاملة.
- تحوّل في معيار التفوق: لم يعد التفوق رهيناً بالكمّ وحده أو بالجودة وحدها، بل بقدرة المنظومة العسكرية على دمج الاثنين في وقت واحد؛ كثافة عددية منخفضة التكلفة موجَّهة بذكاء اصطناعي متقدم.
- تقليص الفجوة بين القوى المتوسطة والكبرى: أثبتت التجربة أن الدول القادرة على إنتاج مسيّرات بأعداد كبيرة وتكاليف زهيدة باتت قادرة على استنزاف القوى الكبرى دفاعياً، حتى لو عجزت عن منافستها هجومياً.
يكشف التحوّل الذي رصدته عملية «الغضب الملحمي» أن الطائرات المسيّرة لم تعد عنصراً مضافاً إلى الترسانات التقليدية، بل باتت تُعيد تشكيل هذه الترسانات من الداخل وتُحدد طبيعة العمليات ونتائجها. فالحروب المقبلة لن تُحسم لصالح من يمتلك الأكثر أو الأغلى، بل لصالح من يُتقن التكامل بين "الكم" أي الأسراب الرخيصة مع "الكيف" أي التوجيه الذكي في هذا السلاح المتحوّل.فمع استمرار تطور الذكاء الاصطناعي والاتصالات، من المرجّح أن نشهد مستقبلًا تقاتل فيه الجيوش بأسلحة ذاتية القيادة لا تحتاج إلى أوامر بشرية لتنفيذ المهام. ورغم ما توفره من تفوق تقني، فإن هذه الأدوات تطرح أسئلة حول الأخلاق، والسيطرة، ومستقبل الإنسان في ميدان القتال. وكيفية موازنة التطور التكنولوجي مع الضوابط الأخلاقية.
- يمكن الاستماع لـ "بودكاست النشرة الرقمية" على مختلف منصات البودكاست. الرابط للبودكاست على منصة أبل
- للتواصل مع نايلة الصليبي عبر صفحة برنامَج"النشرة الرقمية"من مونت كارلو الدولية على لينكد إن وعلى تويتر salibi@ وعلى ماستودون وبلوسكاي عبر موقع مونت كارلو الدولية مع تحيات نايلة الصليبي
Fler avsnitt av النشرة الرقمية
Visa alla avsnitt av النشرة الرقميةالنشرة الرقمية med مونت كارلو الدولية / MCD finns tillgänglig på flera plattformar. Informationen på denna sida kommer från offentliga podd-flöden.
