تتطرق نايلة الصليبي في "النشرة الرقمية" إلى ظهور سلاح استخباراتي جديد، كاميرا المراقبة المتصلة بالإنترنت.هذه الأجهزة الصغيرة، التي اعتادت عليها المدن الحديثة، أصبحت اليوم في قلب العمليات الاستخباراتية للجيوش والأجهزة الأمنية في العالم، من دون علم أصحاب هذه الكاميرات.
عندما تتحوّل كاميرا المراقبة إلى سلاح عسكريمع تطور الحروب الحديثة وانتقال جزء كبير منها إلى الفضاء السيبراني، ظهرت أدوات جديدة لجمع المعلومات الاستخباراتية لم تكن تُعد في السابق وسائل عسكرية تقليدية. ومن أبرز هذه الأدوات كاميرات المراقبة المتصلة بالإنترنت المنتشرة في الشوارع والمباني الخاصة. فبعد أن كان الاعتماد الأساسي في الاستطلاع العسكري على الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة والعملاء الميدانيين، أصبحت هذه الكاميرات المدنية مصدرًا مهمًا للمعلومات يمكن استغلاله بسهولة عبر القرصنة الإلكترونية.
من وسائل المراقبة التقليدية إلى الكاميرات المدنيةلطالما اعتمدت الجيوش وأجهزة الاستخبارات على وسائل متعددة لجمع المعلومات، مثل الأقمار الصناعية، والطائرات بدون طيار، وأجهزة تحديد المواقع، إضافة إلى المراقبين الميدانيين. غير أن انتشار الأجهزة المتصلة بالإنترنت في المدن الحديثة، وعلى رأسها كاميرات المراقبة، أوجد مصدرًا جديدًا للمعلومات الاستخباراتية.
فكل كاميرا مراقبة موجهة نحو شارع أو تقاطع طرق أو منشأة حساسة يمكن أن تتحول، في حال اختراقها، إلى نقطة مراقبة عن بُعد توفر معلومات مباشرة عن التحركات والأنشطة في محيطها.
في زمن باتت فيه الحرب تُخاض على جبهات سيبرانية لا تقل شراسةً عن الميادين التقليدية، ظهر سلاح جديد كاميرا المراقبة المتصلة بالإنترنت المثبّتة على واجهة منزل عادي أو في شارع مكتظ بالمارة.هذه الأجهزة الصغيرة، التي اعتادت عليها المدن الحديثة، أصبحت اليوم في قلب العمليات الاستخباراتية للجيوش والأجهزة الأمنية في العالم، بعيداً عن أي علم لأصحاب هذه الكاميرات.
بدأت الجيوش وأجهزة الاستخبارات تعتمد بشكل متزايد على اختراق كاميرات المراقبة المدنية. وبفضل الخوارزميات القوية القادرة على تحليل كميات كبيرة من البيانات، يمكن استخدام هذه الكاميرات لبناء ما يُعرف بـ "نمط الحياة" - "pattern of life " للأفراد أو المواقع المستهدفة، أي فهم الروتين اليومي والتحركات المعتادة قبل تنفيذ أي عملية عسكرية.
تسمح هذه البيانات للمخططين العسكريين :
- تحديد الأهداف بدقة.
- متابعة تحركات الأشخاص أو القوات.
- التحضير للهجمات العسكرية.
- تقييم الأضرار بعد تنفيذ الضربات.
كشفت دراسة نشرتها شركة Check Point للأمن السيبراني، ومقرّها تل أبيب، عن رصد مئات محاولات اختراق ممنهجة استهدفت كاميرات مراقبة مدنية في منطقة الشرق الأوسط. وقد تزامنت الكثير من هذه المحاولات مع ضربات صاروخية وهجمات بطائرات مسيّرة إيرانية استهدفت إسرائيل وقطر وقبرص.
جرى رصد معظم هذه الاختراقات بين ٢٨ فبراير٢٠۲٦ و بداية مارس ٢٠۲٦، في الفترة ذاتها التي شنّت فيها الولايات المتحدة وإسرائيل ضرباتها الجوية على إيران. كما رُصدت موجة أولى من الهجمات في منتصف يناير٢٠۲٦، حين كانت احتجاجات تهزّ إيران وتتصاعد التوترات العسكرية في المنطقة.
الأداة: ثغرات قديمة في كاميرات صينيةاستهدف القراصنة خمس ثغرات أمنية معروفة في كاميرات Hikvision وDahua الصينيتين، وهي ثغرات لا تنطوي على أي تعقيد تقني، إذ سبق تصحيح بعضها منذ عام ٢٠۱٧. غير أن طبيعة أجهزة إنترنت الأشياء تجعل تحديثات البرامج نادراً ما تُطبَّق من قِبل المستخدمين، بل كثيراً ما يجهل هؤلاء وجودها أصلاً. وتجدر الإشارة إلى أن كلتا الشركتين محظورتان فعلياً في الولايات المتحدة لاعتبارات أمنية.
ربط باحثو Check Point هذه العمليات بثلاث مجموعات قرصنة يُرجَّح أنها إيرانية المنشأ، استناداً إلى الخوادم والشبكات الافتراضية الخاصة المستخدمة. وتُشير بعض هذه البنى التحتية إلى مجموعة Handala Hack ، التي تصنّفها عدة شركات للأمن السيبراني باعتبارها ذراعاً لوزارة الاستخبارات الإيرانية.
إسرائيل وإيران: حرب المدن عبر عدسات المراقبةكشفت صحيفة "فايننشال تايمز" أن الاستخبارات الإسرائيلية، بالتنسيق مع وكالة الإستخبارات الأمريكية، تمكّنت من اختراق شبكة واسعة من كاميرات المرور في العاصمة الإيرانية طهران. وقد أتاحت هذه الكاميرات متابعة تحركات المسؤولين الأمنيين المحيطين بالمرشد الأعلى علي خامنئي في الوقت الفعلي، مما أسهم في التخطيط للضربة الجوية التي أودت بحياته. وقد لخّص أحد المصادر الاستخباراتية الإسرائيلية هذا الاختراق الموسّع بقوله: "كنّا نعرف طهران كما نعرف القدس".
في المقابل، وثّق رئيس مديرية الأمن السيبراني الإسرائيلية أن قراصنة إيرانيين اخترقوا كاميرا مراقبة مقابل معهد وايزمان للعلوم قبيل استهدافه بصاروخ مباشرة.
أوكرانيا وروسيا: الكاميرا في خدمة الاستهداف الميدانيحذّرت السلطات الأوكرانية منذ عام 2024 من أن روسيا تخترق كاميرات المراقبة في محيط كييف لرصد البنية التحتية ومنظومات الدفاع الجوي. وأعلن جهاز الأمن الأوكراني أنه عطّل نحو 10,000 كاميرا متصلة بالإنترنت كانت مرشّحة للاستغلال الروسي، مع توجيه نداء للمواطنين بوقف البث المباشر من كاميراتهم.
في المقابل ،اعتمد القراصنة الأوكرانيون بدورهم على هذا الأسلوب، إذ رصدوا تحركات الآليات العسكرية الروسية ونقل المعدات عبر جسر كِيرِتْشْ أو جسر مضيق كِيرِتْشْ الرابط بين روسيا وشبه جزيرة القرم، وذلك عبر كاميرات روسية مخترقة.
لماذا تتفوق الكاميرات على الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة؟يُجيب الخبراء العسكريون عن هذا السؤال بأربع ميزات أساسية:
- أولاً: التكلفة، تبقى عملية اختراق كاميرا مثبتة متصلة بلإنترنت أرخص بكثير من تسيير طائرة مسيّرة أو توظيف قمر صناعي.
- ثانياً: التخفّي، الكاميرا ثابتة وصامتة، لا يُكشف عنها برادار ولا تُسقطها منظومات الدفاع الجوي.
- ثالثاً: زاوية الرصد، توفّر الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة رؤية من الأعلى، في حين تُتيح الكاميرات الأرضية رصداً دقيقاً على مستوى الشارع: مداخل المباني، حركة المركبات، تفاصيل الحراسة والتحصينات.
- رابعاً: الجاهزية، كما يقول الباحث Peter W. Singer من مؤسسة New America: "الخصم هو مَن قام بالعمل نيابةً عنك؛ لقد ركّب الكاميرات في كل أرجاء المدينة"
علاوة على ذلك، تُستخدم هذه الكاميرات لا للاستهداف فحسب، بل أيضاً لما يُعرف عسكرياً بـ"تقييم الأضرار" في أعقاب الضربات.
معضلة المسؤولية: من يتحمّل التبعة؟يطرح هذا الواقع إشكالية قانونية وأخلاقية عميقة، إذ تتشابك فيها مستويات المسؤولية. فالمنتج صنع الجهاز، والمالك ثبته ، والضحية لا حول لها. يُلخّص Beau Woods، الباحث في الأمن السيبراني والمستشار السابق لوكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية الأمريكية CISA ، هذه المعضلة بقوله: "الكاميرا لا تُحدث الضرر مباشرةً، لكنها حلقة في السلسلة التي تُفضي إليه".
يثير هذا الواقع أسئلة معقدة حول المسؤولية:
- من المسؤول عن تأمين هذه الأجهزة؟
- هل تقع المسؤولية على الشركات المصنعة أم على المستخدمين؟
- وكيف يمكن منع استغلال البنية التحتية المدنية في النزاعات العسكرية؟
من المسؤول؟ من يتحمل التبعات؟ من يجب أن يحاسب؟ كاميرا بسيطة مثبتة على واجهة منزل يمكنها، دون علم صاحبها، أن تصبح حلقة في السلسلة التي تؤدي إلى ضربة عسكرية. كما يسأل Beau Woods: "الكاميرا نفسها لا تسبب الضرر مباشرة. لكنها جزء من آلية تؤدي إليه".
توصيات الحمايةفي عالم تتحول فيه أبسط الأجهزة إلى أدوات تجسس، تبرز ضرورة اتخاذ تدابير وقائية:
- تحديث البرامج الثابتة باستمرار: يجب على مالكي الكاميرات المتصلة بالإنترنت تحديث أجهزتهم باستمرار لسد الثغرات الأمنية.
- تغيير كلمات المرور الافتراضية: استخدام كلمات مرور قوية وفريدة لكل جهاز.
- عزل أجهزة إنترنت الأشياء: فصل هذه الأجهزة عن الشبكات الحساسة، ووضعها على شبكة منفصلة.أوخلف شبكة VPN موثوقة.
- الوعي المجتمعي: فهم المخاطر المحتملة لوجود كاميرات متصلة بالإنترنت موجهة نحو الشوارع والمنشآت الحيوية.
- تشريعات وقائية: وضع أطر قانونية تحمي الخصوصية والأمن القومي من هذه الثغرات.
ما كان يوماً مجرد كاميرا مراقبة عادية لحماية منزل أو متجر، أصبح اليوم عيناً للمخابرات في حروب لا تعترف بالحدود. من طهران إلى كييف، أثبتت هذه الكاميرات أنها أداة استخباراتية فعالة بشكل مذهل، بتكلفة زهيدة وسهولة تنفيذ تضعها في مقدمة أدوات الحرب السيبرانية المعاصرة.
يبقى السؤال الأخلاقي معلقاً: في حرب تتجسس فيها الأطراف على بعضها من خلال كاميرات المدنيين، من يتحمل مسؤولية تحويل أجهزة حماية المدنيين إلى أدوات عسكرية تستهدفهم؟ معضلة العصر الرقمي بامتياز، حيث تتداخل التكنولوجيا اليومية مع الصراعات الجيوسياسية الكبرى.
- يمكن الاستماع لـ "بودكاست النشرة الرقمية" على مختلف منصات البودكاست. الرابط للبودكاست على منصة أبل
- للتواصل مع نايلة الصليبي عبر صفحة برنامَج"النشرة الرقمية"من مونت كارلو الدولية على لينكد إن وعلى تويتر salibi@ وعلى ماستودون وبلوسكاي عبر موقع مونت كارلو الدولية مع تحيات نايلة الصليبي
Fler avsnitt av النشرة الرقمية
Visa alla avsnitt av النشرة الرقميةالنشرة الرقمية med مونت كارلو الدولية / MCD finns tillgänglig på flera plattformar. Informationen på denna sida kommer från offentliga podd-flöden.
