تتطرق نايلة الصليبي في"النشرة الرقمية" إلى إعلان شركة Ami Labs،التي أسسها الباحث الفرنسي في الذكاء الاصطناعي يان لوكون، عن جمع تمويل يقارب ٩٠٠ مليون يورو، مع تقييم سوقي يبلغ نحو ٣ مليارات يورو، لتصبح بذلك واحدة من أكبر الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي في فرنسا.هل ستعيد هذه الشركة الناشئة تشكيل مستقبل صناعة الذكاء الاصطناعي مع "نماذج العالم" الجديدة بمفهوم مختلف عن النماذج اللغوية الكبيرة!
سباق عالمي تتطلع أوروبا لدخوله بقوةفي ظل السباق العالمي المحموم لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، تبدو الهيمنة الأمريكية واضحة من خلال شركات كبرى مثل "أوبن إي آي" و "غوغل" و "ميتا" و "أنثروبيك" . لكن هذا المشهد قد يشهد تحولاً محتملاً مع بروز مبادرة أوروبية يقودها أحد أبرز رواد هذا المجال، الباحث الفرنسي يان لوكون Yann LeCun، الذي يسعى من خلال شركته الناشئة Ami Labs إلى تقديم تصور مختلف جذريًا لمستقبل الذكاء الاصطناعي.
المشروع لا يقتصر على تأسيس شركة تقنية جديدة، بل يمثل رهانًا علميًا واستراتيجيًا على إعادة تعريف الطريقة التي تُبنى بها أنظمة الذكاء الاصطناعي، وربما فتح الباب أمام منافسة أوروبية حقيقية في هذا القطاع الحيوي.
من أروقة "ميتا" إلى باريس: ولادة مشروع استثنائييُعد يان لو كون من أبرز علماء الذكاء الاصطناعي في العالم، وقد حاز جائزة تورينغ عام ٢٠١٨ إلى جانب جيفري هينتون ويوشوا بينجيو، ويُعدّ الثلاثة معًا "آباء التعلم العميق" التي أرست الأسس العلمية لكبرى أنظمة الذكاء الاصطناعي.
أسهم هؤلاء في تطوير تقنيات الشبكات العصبية العميقة التي تشكل اليوم الأساس الذي تعتمد عليه معظم أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة. وبعد سنوات قضاها يان لوكون في قيادة بحوث الذكاء الاصطناعي داخل شركة "ميتا"، قرر لوكون خوض تجربة جديدة عبر تأسيس شركة مستقلة في باريس.
هدف هذه المبادرة هو تطوير جيل جديد من الأنظمة الذكية يتجاوز حدود النماذج اللغوية التقليدية، عبر مفهوم يطلق عليه "نماذج العالم" World Models.
Ami Labs: شركة ناشئة بطموحات عالميةفي خطوة لافتة في عالم ريادة الأعمال التقنية، تمكنت شركة Ami Labs و هي اختصار Advanced Machine Intelligence من جمع تمويل يقارب ٩٠٠ مليون يورو، مع تقييم سوقي يبلغ نحو ٣ مليارات يورو، لتصبح بذلك واحدة من أكبر الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي في فرنسا.
تعرّف الشركة مشروعها بأنه "محاولة لتمهيد الطريق نحو الثورة المقبلة في الذكاء الاصطناعي"، عبر تطوير أنظمة تمتلك خصائص متقدمة مثل:
- فهم العالم الواقعي بدل الاكتفاء بمعالجة النصوص
- امتلاك ذاكرة طويلة الأمد
- القدرة على التفكير والتخطيط
- إمكانية التحكم فيها وضمان سلامتها
لكن هذا الطموح يواجه تحديًا علميًا كبيرًا: كيف يمكن جعل الآلة تفهم العالم فعليًا، وليس فقط تحليل الكلمات والأنماط الإحصائية؟
نقد النماذج اللغوية الكبيرةيرى يان لوكون أن النماذج اللغوية الكبيرة -LLMs- ، مثل تلك التي تعتمد عليها أنظمة مثل" شات جي بي تي" أو "جيميناي" أو "كلود" ، حققت إنجازات مذهلة، لكنها تعاني من "قصور في فهم الواقع".
فهذه الأنظمة اكتسبت معرفتها من خلال استيعاب كميات هائلة من النصوص المكتوبة، كتبًا ومقالات وصفحات ويب لا تُحصى. وهي في ذلك تبدو وكأنها "تعرف كل شيء"، لكنها في حقيقتها لم تعرف العالم يومًا بمعناه الحسي والمادي الحقيقي.
يشبّه يان لوكون هذا الوضع بشخص في كهف قرأ كل الكتب لكنه لم يرَ الشمس قط، ولم يسمع صوت البحر، ولم يلمس ملمس الجبال، ولم يتفاعل مع إنسان أو حيوان أو آلة. هذا الناسك يمتلك معرفة. نظرية واسعة، لكنه يفتقر إلى الفهم الحقيقي للواقع.
هكذا هي بالضبط، هي الـنماذج اللغوية الكبيرة اليوم. وذلك عكس البشري إذ، يُدرك الإنسان قوانين الفيزياء بالفطرة لا بالدراسة. فهو يعلم بالبداهة أن الحجر إذا رُمي سقط، وأن سرعة السقوط تتناسب مع قوة الرمي. هذا الفهم المتجذر في التجربة الحية هو ما تفتقده الأنظمة الحالية، ولا يمكن لأي كمية من النصوص أن تعوّض عنه.
وذلك عكس البشري، يكتسب الإنسان فهمه للعالم من خلال التجربة الحسية المباشرة. إذ، يُدرك الإنسان قوانين الفيزياء بالفطرة لا بالدراسة. فهو يعلم بالبداهة أن الحجر إذا رُمي سقط، وأن سرعة السقوط تتناسب مع قوة الرمي. هذا الفهم المتجذر في التجربة الحية هو ما تفتقده الأنظمة الحالية جوهريًا، ولا يمكن لأي كمية من النصوص أن تعوّض عنه.
فقد كشفت تجارب شعبية انتشرت على الإنترنت عن هذه الهشاشة، حين دافعت بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي بحماس عن المشي إلى مغسلة السيارات بدلًا من قيادتها إليها، مُغفلةً الغاية الواضحة من الرحلة.
ما هي "نماذج العالم"؟يقترح يان لوكون مقاربة مختلفة تمامًا عبر مفهوم World Models أو نماذج العالم. الفكرة الأساسية هي بناء أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على تكوين تمثيل داخلي للعالم المادي.
بدلاً من التعلم من النصوص فقط، تعتمد هذه النماذج على مصادر بيانات متعددة، مثل:
- مقاطع الفيديو
- الصور
- البيئات ثلاثية الأبعاد
- بيانات المستشعرات الفيزيائية
الهدف هو إنشاء نظام قادر على توقع نتائج الأفعال قبل تنفيذها، بطريقة مشابهة لما يقوم به الإنسان عندما يتخيل نتائج قراراته.
بهذا المعنى، لن يقتصر دور النظام على توقع الكلمة التالية في جملة، بل سيتعلم توقع الحالات والأحداث في العالم الحقيقي.
تحدي "الدرس المر"غير أن هذه الرؤية لا تحظى بإجماع الأوساط العلمية. فبعض الباحثين يرون أن النماذج اللغوية الحالية قد تستمر في التطور بفضل تزايد البيانات وقدرات الحوسبة.
هذا الجدل يرتبط بما يعرف بنظرية "الدرس المر" The Bitter Lesson التي طرحها عالم الكمبيوتر Richard Sutton- ريتشارد سَاتون عام ٢٠١٩.
تقول هذه الفكرة إن أكبر الإنجازات في الذكاء الاصطناعي لم تتحقق عبر تصميم قواعد معقدة يدويًا، بل عبر:
- زيادة القدرة الحاسوبية Computation
- استخدام خوارزميات عامة قابلة للتوسع
ومن هذا المنظور، قد تتمكن النماذج اللغوية من تجاوز قيودها الحالية ببساطة عبر المزيد من البيانات وقوة المعالجة.
تطبيقات محتملة: من الروبوتات إلى الصناعةتبدو أهمية "نماذج العالم" خاصة في المجالات التي تتطلب فهمًا دقيقًا للبيئة الفيزيائية، مثل:
- الروبوتات
- المركبات ذاتية القيادة
- الصناعة المتقدمة
- الرعاية الصحية
فالروبوت الذي يحاول إعداد وجبة بسيطة، مثل طهي المعكرونة، يحتاج إلى تخطيط سلسلة طويلة من الخطوات. وإذا حدث أمر غير متوقع، كعدم وجود القدر في مكانه المعتاد، يجب أن يعيد التخطيط من جديد.
هذا النوع من التفكير التخطيطي هو ما تحاول نماذج العالم محاكاته.
ويرى بعض المستثمرين أن هذا التوجه قد يقود خلال سنوات قليلة إلى ظهور روبوتات قادرة على أداء مهام منزلية أو صناعية معقدة.
فرصة أوروبية في مواجهة الهيمنة الأمريكيةلا يمكن فصل مشروع Ami Labs عن السياق الجيوسياسي الأوسع.
فبينما تتفوق الولايات المتحدة حاليًا في تطوير النماذج اللغوية الضخمة، ترى أوروبا فرصة أكبر في صناعة الذكاء الاصطناعي حيث تمتلك:
- قواعد بيانات صناعية ضخمة
- شركات هندسية متقدمة
- خبرة في مجالات الروبوتات والتصنيع
وقد جذب المشروع استثمارات من شركات صناعية وتقنية كبرى مثل Nvidia وSamsung وToyota Ventures.
هذه الشركات تحتاج إلى أنظمة قادرة على فهم الفيزياء والهندسة، وليس فقط كتابة النصوص أو توليد المحتوى.
جدل علمي مستمررغم الحماس الكبير، لا تزال نماذج العالم في مرحلة مبكرة جدًا.
فعدد الدراسات المنشورة محدود، ولا توجد بعد معايير تقييم واضحة كما هو الحال مع النماذج اللغوية.
كما يرى بعض الباحثين أن المقاربتين قد لا تكونان متعارضتين أساسًا. فالمختبرات الكبرى تسعى بالفعل إلى دمج النماذج اللغوية مع نماذج إدراك العالم الفيزيائي في أنظمة متعددة الوسائط.
مغامرة علمية قد تعيد رسم خريطة الذكاء الاصطناعيلا تزال نماذج العالم في طور البزوغ؛ لا توجد معايير مرجعية راسخة لقياسها، ولا دراسات كافية لإثبات تفوقها. لكن الزخم واضح: ثمة مختبرات في العالم كله تتجه نحو هذا المفهوم، وصناعات بأكملها تنتظر ذكاءً اصطناعيًا يفهم الفيزياء لا مجرد اللغة. فمشروع Ami Labs ليس مجرد شركة ناشئة أخرى في سوق الذكاء الاصطناعي. إنه محاولة لإعادة التفكير في الأسس التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي نفسه.فهل ستنجح رؤية يان لوكون في تجاوز حدود النماذج اللغوية الحالية؟ أم أن التطور المستمر لهذه النماذج سيجعلها قادرة على محاكاة فهم العالم دون الحاجة إلى مقاربة جديدة؟
يذكّرنا التاريخ بأن الذكاء الاصطناعي قفز قفزاته الكبرى بفضل ابتكارات كانت تبدو في حينها مقامرات علمية: فنماذج اللغة مدينة بوجودها لبنية Transformer التي طوّرها باحثو "غوغل"، والتعلم العميق نفسه يعود إلى الشبكات العصبية الالتفافية-convolutional neural network التي كان يان لوكون أحد بنّائيها في أواخر الثمانينيات.اليوم، يراهن يان لو كون على أن دوره لم ينتهِ بعد ، وأن الفصل المقبل من قصة الذكاء الاصطناعي قد يُكتب هذه المرة في باريس.
يمكن الاستماع لـ "بودكاست النشرة الرقمية" على مختلف منصات البودكاست. الرابط للبودكاست على منصة أبل
للتواصل مع نايلة الصليبي عبر صفحة برنامَج"النشرة الرقمية"من مونت كارلو الدولية على لينكد إن وعلى تويتر salibi@ وعلى ماستودون وبلوسكاي عبر موقع مونت كارلو الدولية مع تحيات نايلة الصليبي
Fler avsnitt av النشرة الرقمية
Visa alla avsnitt av النشرة الرقميةالنشرة الرقمية med مونت كارلو الدولية / MCD finns tillgänglig på flera plattformar. Informationen på denna sida kommer från offentliga podd-flöden.
