تنقل نايلة الصليبي في "النشرة الرقمية" تقريرا عن خوض منطقة الخليج العربي سباقاً لمد خطوط الألياف الضوئية وممرات البيانات الرقمية بعيداً عن مضيق هرمز والبحر الأحمر، حيث أصبحت الهشاشة الرقمية لمنطقة الخليج مصدر قلق استراتيجي متصاعد.فمعظم حركة البيانات الخليجية تمرعبر نقطتَي اختناق بحريتين، إحداهما في البحر الأحمر والأخرى في منطقة تقاطع المضايق.
النفط الرقمي لا يمر من هرمزفي سباقٍ جديد على البنية التحتية الحيوية، تسعى دول الخليج إلى مدّ "أنابيب بيانات" برية توازي في أهميتها استراتيجياً خطوط أنابيب النفط التي أنشأتها قبل عقود لتجاوز مضيق هرمز. فبعد أن ضمنت السعودية والإمارات تدفق النفط إلى الأسواق العالمية من دون المرور بذلك المضيق، تواجه المنطقة اليوم تحدياً مشابهاً على صعيد الاتصالات الرقمية، مع تصاعد المخاطر التي تهدد الكابلات البحرية في البحر الأحمر ومحيطه. حسب ما كشف عنه تقرير لموقعRest of world .
من النفط إلى البيانات: تحوّل في أولوية البنية التحتيةقضت السعودية سنوات في بناء خط الأنابيب بين الشرق والغرب، بينما أنشأت الإمارات خط حبشان - الفجيرة لتفادي الاختناق المحتمل في مضيق هرمز. في المقابل، لم تحظَ الاتصالات الرقمية بالقدر نفسه من الاهتمام الاستراتيجي. غير أن استهداف ضربات إيرانية انتقامية منشآت ومراكز البيانات تابعة لشركة أمازون في الخليج، وتهديدها نقطتي عبور رئيسيتين لمعظم حركة البيانات في المنطقة، دفع دول الخليج إلى التحرك بسرعة لتأمين بدائل برية تقلص اعتمادها شبه الكامل على الكابلات البحرية.
تتنافس اليوم ستة مشاريع مدعومة من دول الخليج لبناء ممرات ألياف ضوئية برية تربط الخليج بأوروبا عبر سوريا والعراق والقرن الأفريقي. هذه المشاريع، التي تموّلها السعودية وقطر والإمارات، تهدف إلى توفير مسارات بديلة في حال تعطل الكابلات البحرية التي تمر عبر البحر الأحمر ثم عبر الأراضي المصرية، وهي المسارات التي تحمل حالياً الجزء الأكبر من الحركة الرقمية بين آسيا وأوروبا.
التسيق الضائع في التنافس على النفوذرغم الطبيعة التكاملية المفترضة لمثل هذه المشاريع، فإنها صُممت بشكل مستقل من قبل كل من السعودية وقطر والإمارات، وهي دول لم تخرج من أجواء الانقسام إلا في عام ٢٠٢١، بعد حصار قادته الرياض على الدوحة. ويرى مراقبون أن آثار تلك الانقسامات ما زالت حاضرة في طريقة إدارة هذا الملف.
يقول كريستيان كوتس أولريشسن، الباحث في شؤون الشرق الأوسط بمعهد بيكر في جامعة رايس، لموقع Rest Of World إن "التنافس على بناء ممرات برية يعكس عنصرًا من التنافس على النفوذ أكثر من كونه تنسيقًا للجهود"، محذراً في الوقت نفسه من أن "احتمال امتداد الصراع العسكري في المنطقة وتوسعه يعني إمكانية تعليق الخطط أو إعادة تقييمها".
هذا التنافس السياسي–الاقتصادي يثير سؤالاً أساسيا حول ما إذا كانت أي من هذه المسارات البديلة ستُنجز بالسرعة والفاعلية الكفيلتين بإحداث فارق ملموس في أمن الاتصالات الخليجي.
اعتماد مستمر على البحر الأحمر ومصرحتى اليوم، لم تنجح أي محاولة برية في تقليل اعتماد المنطقة على الكابلات البحرية التي تمر تحت مياه البحر الأحمر وصولاً إلى مصر. فمنذ عقود، اعتُبر مدّ كابلات ألياف ضوئية عبر العراق أو إيران خياراً محفوفاً بالمخاطر، في حين كانت الكابلات البحرية أقل كلفة وأكثر قدرة على جذب العملاء وخفض الأسعار، ما رسّخ نمطاً عالمياً ينقل معظم حركة البيانات "تحت الماء" عبر هذا الممر الحساس.
دوغ مادوري، مدير تحليل الإنترنت في شركة "Kentik"، يعلّق لموقع Rest Of World قائلاً: "أظن أنه لن يتم إنشاء جميع هذه الكابلات فعليًا"، في إشارة إلى كثرة المشاريع المطروحة مقارنة بالتحديات التقنية والمالية والسياسية التي تواجه التنفيذ على الأرض.
أبرز مشاريع الألياف الضوئية البرية :
"سيلك لينك": المشروع السعودي الأكثر تقدّماً عبر سوريا"سيلك لينك": يتصدر مشروع "سيلك لينك" قائمة المبادرات الخليجية من حيث التقدم. فقد وقّعت مجموعة الاتصالات السعودية في ٧ فبراير ٢٠٢٥عقداً بقيمة ٨٠٠ مليون دولار لإنشاء مسار ألياف ضوئية بطول ٤٥٠٠ كيلومتر يمتد عبر سوريا وصولاً إلى محطة إنزال للكابلات البحرية في طرطوس على البحر الأبيض المتوسط، مع وصلات باتجاه الأردن ولبنان وتركيا. ومن المتوقع أن تنطلق المرحلة الأولى من المشروع خلال فترة تتراوح بين ١٨ و٢٤ شهراً.
هذا المشروع حلّ محل خطة سابقة أُعلن عنها عام ٢٠٢٢ تحت اسم "ممر الشرق إلى المتوسط"، مشروع مشترك بين مجموعة الاتصالات السعودية وشركة PPC اليونانية، كان يقوم الممر على مسار يمر عبر إسرائيل، في سياق بدا فيه التطبيع السعودي–الإسرائيلي وشيكاً. إلا أن حرب غزة عطلت تلك المسارات السياسية، فانتقلت الرياض إلى خيار بديل عبر سوريا.
تاريخياً، ليست هذه المرة الأولى التي يُجرَّب فيها الممر السوري. فقد سبق أن عمل نظام ألياف ضوئية يُدعى "جادي" على مسار يمتد من جدة إلى عمّان ثم دمشق وصولاً إلى إسطنبول، وهو المسار الجغرافي نفسه تقريباً الذي تحاول "سيلك لينك" إحياؤه حالياً. لكن الحرب الأهلية السورية التي اندلعت بعد أشهر من تشغيل "جادي" أدت إلى انقطاع الاتصال، ولم يُعاد بناء الخط. وفي عام ٢٠١٣، جرت محاولة أخرى عبر خط "إيبيج" EPEG البري الذي يربط فرانكفورت بإيران ثم عُمان، لكنّه لم ينجح هو الآخر في تخفيف الاعتماد على مصر، قبل أن ينقطع مؤخراً بسبب القتال المرتبط بالحرب في أوكرانيا.
قطر والعراق: ممر بحري- بري جديد نحو تركيا وأوروبافي الجانب القطري، تقود شركة "أوريدو" مساراً موازياً عبر العراق. ففي يناير ٢٠٢٥ أعلنت الشركة عن كابل بحري بسعة ٧٢٠ تيرابت في الثانية، أُطلق عليه اسم "ألياف الخليج" (FiG). يربط المشروع جميع دول مجلس التعاون الخليجي إضافة إلى العراق، ومن المتوقع أن يدخل الخدمة في أواخر عام ٢٠٢٧.
وإلى جانب الكابل البحري، رصدت "أوريدو" استثماراً منفصلاً بقيمة ٥٠٠ مليون دولار لإنشاء خطوط نقل برية تمتد من العراق عبر تركيا وصولاً إلى أوروبا. ويصف وزير الاتصالات العراقي بلاده بأنها "مركز عبور حيوي" لحركة النقل بين آسيا وأوروبا، في إشارة إلى الدور الذي تطمح بغداد للعبه في خريطة الاتصالات الدولية.
في فبراير ٢٠٢٥، أعلنت شركتا "أوريدو" و"الاتصالات السعودية" عن مشروع مشترك جديد يحمل اسم SONIC، يتمثل في وصلة ألياف ضوئية أرضية تربط السعودية بسلطنة عُمان، بهدف وصل محطات إنزال الكابلات البحرية في البلدين، مع توقع الانتهاء من المرحلة الأولى خلال ١٢ شهراً. المشروع يفتح نافذة للتعاون التقني بين جهتين تقودان في الوقت ذاته ممرّين متنافسين عبر العراق وسوريا.
مشروع WorldLink ممر عراقي - إماراتي يستهدف عمالقة السحابة والذكاء الاصطناعيبرز أيضًا تحالف ممول من القطاع الخاص يضم شركة Tech 964 العراقية، وشركة Breeze Investments الإماراتية، وشركة DIL Technologies الكردية العراقية. هذا التحالف أعلن في فبراير عن مشروع ممر ثالث عبر العراق تحت اسم WorldLink.
المشروع، الذي تُقدَّر كلفته بنحو ٧٠٠ مليون دولار، هو كابل هجين يمتد من الإمارات إلى شبه جزيرة الفاو العراقية، ثم يواصل طريقه براً عبر العراق وكردستان وصولاً إلى تركيا. وتُقدَّر مدة تنفيذ المشروع بخمس سنوات، فيما لم يُعلن حتى الآن عن اسم المقاول الذي سيتولى تنفيذ الأعمال. ويستهدف WorldLink بالدرجة الأولى شركات الحوسبة السحابية العملاقة، وشركات الاتصالات الدولية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، ما يعكس رهاناً على الطلب المتزايد على السعة العالية والكمون المنخفض في الاتصالات.
شرق أفريقيا على الخريطة: ممر "هورايزون" ومسار عُمان–السعودية–مصرتتشكل ،خارج الخليج، ممرات برية أخرى تعيد رسم خريطة الاتصالات العالمية. ففي فبراير٢٠٢٦ ، اتفقت شركة "إثيو تيليكوم" الإثيوبية وشركة "جيبوتي تيليكوم" ومجموعة "سوداتل" السودانية على إنشاء ممر ألياف ضوئية أرضي يُسمى "هورايزون"، يمتد من جيبوتي عبر إثيوبيا إلى السودان، موجهاً حركة البيانات براً عبر شرق أفريقيا ومتفادياً البحر الأحمر بالكامل.
كما تعمل شركة "زين عمانتل الدولية"، وهي مشروع مشترك بين "زين" الكويتية و"عمانتل" المملوكة للدولة العُمانية، على إنشاء ممر منفصل يمتد من عُمان عبر السعودية إلى مصر ثم إلى البحر الأبيض المتوسط، في محاولة أخرى لتوسيع خيارات الربط بين الخليج وأوروبا دون اعتماد حصري على ممر البحر الأحمر.
بدائل محدودة في حال تعطل كابلات البحر الأحمرعلى الرغم من هذه التحركات، لا يزال البديل المتاح في حال تضرر كابلات البحر الأحمر محدوداً بدرجة كبيرة. فعدد السفن المتخصصة في إصلاح الكابلات البحرية لا يتجاوز نحو ٦٠ سفينة عالميا، ولا يمكن لأي منها الوصول بأمان إلى نقاط الاختناق البحرية في ظل استمرار النزاعات المسلحة.
عام ٢٠٢٤ أدى انقطاع ثلاث كابلات في البحر الأحمر إلى تأخر عمليات الإصلاح لمدة وصلت إلى خمسة أشهر. وخلال هذه الفترات، لا يبقى أمام الشبكات العالمية إلا خيار إعادة توجيه حركة البيانات إما عبر مسار بري إلى إسطنبول ثم إلى أوروبا، أو الالتفاف حول الساحل الأفريقي بأكمله، ما يطيل زمن الاستجابة ويزيد المخاطر على استقرار الاتصال.
تركيا والبلقان: بوابة أوروبا الرقميةمع تكاثر الممرات البرية المخطَّط لها، تتلاقى ثلاثة منها على الأقل في تركيا التي تبرز كبوابة رئيسية لحركة البيانات المتجهة نحو أوروبا. لكن ما إذا كانت البيانات ستتوقف في مراكز تبادل الإنترنت في إسطنبول أو تمر عبرها مباشرة إلى بلغاريا أو ألمانيا، يعتمد على طبيعة المحتوى والخدمات المتوفرة في تلك المراكز، وهي مسألة تجارية لم تُحسم بعد.
في هذا السياق، أعلنت شركة DE-CIX، أكبر شركة لتبادل الإنترنت في العالم ومقرها فرانكفورت، عن تعزيز شراكتها مع بورصة BIX.BG البلغارية في صوفيا، ما يجعل مركز البلقان محطة تالية مهمة للبيانات المغادرة من إسطنبول نحو عمق السوق الأوروبية.
عوائق تنظيمية ومخاطر جيوسياسية مستمرةإلى جانب التحديات التقنية، تواجه هذه الممرات أسئلة تنظيمية معقدة. يلفت آلان مولدين، مدير الأبحاث في شركة TeleGeography، في تقرير Rest of World إلى أن "السؤال الأهم هو: من يُسمح له بشراء وتشغيل كابلات الألياف الضوئية التي تعبر دولة ما، وما هو سعرها؟".
هذا السؤال يفتح ملف السيادة الرقمية والضوابط التنظيمية وأسعار العبور، وهي عوامل قد تحدد في نهاية المطاف جدوى هذه الممرات واستدامتها. كما أن المخاطر الجيوسياسية تبقى عاملاً حاسماً، فالمسارات المخطط لها تمر عبر دول مثل سوريا والعراق والسودان وإثيوبيا، وهي دول سبق أن أدى الصراع أو الهشاشة المؤسسية فيها إلى قطع البنى التحتية الحيوية. وبالتالي، فإن قرار المستثمرين وشركات التكنولوجيا الكبرى بالانخراط في هذه المشاريع أو العزوف عنها سيكون مرهوناً بتقييم دقيق لمستوى المخاطر.
سباق مع الزمن لتأمين شريان البيانات الخليجيتكشف المشاريع الجارية عن إدراك متزايد في الخليج لأهمية البيانات بوصفها "نفط القرن الحادي والعشرين". غير أن تحويل هذه الرؤية إلى واقع يتطلب أكثر من الأموال والعقود، فهو يستلزم تنسيقاً سياسياً بين الدول الممولة، وإدارة واعية للمخاطر الجيوسياسية، وحلولاً تنظيمية واضحة تشجع الشركات العالمية على استخدام هذه الممرات.
حتى الآن، لا تزال الكابلات البحرية عبر البحر الأحمر ومصر هي الشريان الرئيسي لتدفق البيانات بين الخليج والعالم، فيما تمثل الممرات البرية الجاري التخطيط لها أشبه بـ"طرق هروب" قيد الإنشاء. نجاح هذه المشاريع أو تعثرها سيحدد إلى حد بعيد مدى قدرة دول الخليج على حماية أمنها الرقمي في زمن أصبحت فيه البيانات لا تقل حساسية عن النفط، وربما تفوقه أهمية في السنوات المقبلة.
يمكن الاستماع لـ "بودكاست النشرة الرقمية" على مختلف منصات البودكاست. الرابط للبودكاست على منصة أبل
للتواصل مع نايلة الصليبي عبر صفحة برنامَج"النشرة الرقمية"من مونت كارلو الدولية على لينكد إن وعلى تويتر salibi@ وعلى ماستودون وبلوسكاي عبر موقع مونت كارلو الدولية مع تحيات نايلة الصليبي
Fler avsnitt av النشرة الرقمية
Visa alla avsnitt av النشرة الرقميةالنشرة الرقمية med مونت كارلو الدولية / MCD finns tillgänglig på flera plattformar. Informationen på denna sida kommer från offentliga podd-flöden.
