تتطرق نايلة الصليبي في "النشرة الرقمية" إلى كيفية إعادة الصين رسم قواعد الحرب من الفضاء؟ و ما هي القدرات العسكرية الصينية في المدار الأرضي المنخفض؟
من الاستكشاف إلى الميدان العسكري
لم يعد الفضاء الخارجي مجرد بيئة للبحث العلمي والاستكشاف، فقد تحوّل بصورة متسارعة إلى ميدان للمنافسة العسكرية الاستراتيجية. في قلب هذا التحول تقف الصين، التي طوّرت منظومة فضائية متكاملة تجمع بين الاستطلاع والملاحة والحرب المضادة للأقمار الصناعية، في إطار استراتيجية شاملة يتبنّاها جيش التحرير الشعبي الصيني لتحقيق الهيمنة المعلوماتية وردع التدخلات الخارجية.
الحرب الذكيّة": حين يصبح الذكاء الاصطناعي سلاحاً حاسماً
تتبنّى الصين مفهوماً عسكرياً يُعرف بـ "الحرب الذكيّة" Intelligentized Warfare، وهو مفهوم يتجاوز الحرب المعلوماتية التقليدية ليُشكّل الاستراتيجية الرسمية لجيش التحرير الشعبي الصيني. تقوم هذه الاستراتيجية على فكرة مفادها أن الذكاء الاصطناعي سيكون السلاح الحاسم، والهدف منها ليس تدمير العدو ، بل شلّ قدرته على اتخاذ القرار من خلال تفوق الخوارزميات، عبر دمج الذكاء الاصطناعي في كل مستويات القيادة، من الجندي في الميدان وصولاً إلى مراكز اتخاذ القرار الاستراتيجي.
ولتحقيق هذه الغاية، أنشأت الصين "قوة الدعم الاستراتيجي" Strategic Support Force، وهي وحدة عسكرية توحّد تحت قيادة واحدة كلاً من: الفضاء والحرب السيبرانية والحرب الإلكترونية، بهدف ضمان "السيادة المعلوماتية" في الفضاء وعبر الإنترنت، ومنع العدو من الوصول إلى بياناته الخاصة أثناء الصراع.
الاتصالات الكمية: شبكة لا يمكن اختراقها
تتفوق الصين في مجال "الإنترنت الكمي" Quantum Internet، إذ تمنحها الاتصالات الكمية القدرة على إرسال رسائل مشفرة عبر الأقمار الصناعية يستحيل كسرها بالوسائل التقليدية، مما يحمي اتصالات الجيش الصيني من التجسس السيبراني تماماً. وتُستخدم المحطة الفضائية "تيانغونغ" مركزاً للتجارب في أبحاث الاتصالات الكمية المتقدمة، التي تستهدف إنشاء شبكة إنترنت غير قابلة للاختراق.
BDS-3 وأقمار الاستطلاع : عيون لا تنام
يُعدّ نظام الملاحة العالمي الصيني BDS-3 العمود الفقري للقدرات الفضائية العسكرية، إذ يوفر دقة تصل إلى مستوى السنتيمتر في توجيه الصواريخ والأسلحة فائقة السرعة، متقدماً على نظيره الأمريكي GPS بفضل روابط الأقمار الصناعية المتبادلة.
وتُكمل هذه المنظومة أقمارٌ متخصصة للاستطلاع والاستخبارات، من أبرزها "لودي تانسي" للتصوير الراداري، و"ياوغان-41" للتصوير البصري، وكلاهما يعمل في المدار الثابت للأرض، مما يتيح مراقبة مستمرة للمحيطات والسواحل بصرف النظر عن الأحوال الجوية. وتتكامل بيانات هذه الأقمار في منظومة واحدة قادرة على توفير معلومات الاستهداف الفوري للضربات.
الترسانة الهجومية: من الصاروخ إلى الذراع الآلية
على صعيد القدرات الهجومية، تمتلك الصين ترسانة متعددة الطبقات تبدأ بصواريخ مضادة للأقمار الصناعية ذات الصعود المباشر، وصولاً إلى القمر "Shijian-21" المزود بقدرات الاقتراب المداري، إضافةً إلى أدوات التشويش الإلكتروني والهجمات السيبرانية وعمليات التزييف. وتدعم هذه الترسانة أكثر من عشرة أقمار مخصصة للوعي بالوضع الفضائي، تعمل جنباً إلى جنب مع شبكة من المحطات الأرضية لتتبع الأقمار الأمريكية ورسم خرائط تحركاتها. في عام 2022، استخدم القمر الصيني "Shijian-21" ذراعاً آلية لسحب قمر صناعي ملاحة "بيدو" معطل إلى مدار المقبرة،، و هو مدار مخصص من للحطام الفضائي. في عملية وصفها خبراء بأنها اختبار لتقنية قابلة للتحوّل إلى سلاح، كـ"أذرع روبوتية" لاختطاف أو إتلاف أقمار صناعية معادية في وقت الحرب، وهو ما يُعرف بـ "تكتيكات الالتحام الفضائي" Space Engagement Tactics.
القتال الجوي" في الفضاء: مناورات Shijian-25
كشفت شركة "كومسبوك" لتحليلات الفضاء عن اختبار أُجري في يونيو 2025، شارك فيه قمران صناعيان صينيان في عملية "التقاء" في المدار الجغرافي الثابت للأرض، حيث اقترب القمر الصناعي "Shijian-25" من "Shijian-21" وحاذى مساره، قبل أن يندمج القمران بصرياً في بيانات التتبع، مما يُشير إلى احتمال الالتحام. وصفت واشنطن هذه المناورات بأنها تُحاكي "القتال الجوي" لكن في الفضاء، وذلك على خلفية التوترات الجيوستراتيجية المتزايدة بين القوى.
صواريخ معادة الاستخدام وكوكبات LEO: مرحلة جديدة من التوسع
تتعزز هذه المنظومة بتقدم ملحوظ في صواريخ الإطلاق القابلة لإعادة الاستخدام، من بينها "Zhuque-3" و"Long March-12A"، المصممة لدعم توسيع تشكيلات مدار الأرض المنخفض LEO، إلى جانب مهمة "ياوغان-50" الرامية إلى تعزيز التغطية عند خطوط العرض المتوسطة.
هشاشة استراتيجية في المنظومة
تنقل الشبكات الفضائية اليوم البيانات بين القواعد العسكرية والوحدات البحرية والقوات البرية، وتُمكّن من توجيه الصواريخ والطائرات المسيّرة بدقة عالية. غير أن هذا الاعتماد المتصاعد يُفرز هشاشة استراتيجية بالغة الخطورة، إذ إن ضرب نقطة واحدة في الشبكة الفضائية قد يُربك منظومة القيادة والسيطرة بأكملها، بل يمتد أثره ليطال الملاحة الجوية والبحرية وشبكات الكهرباء والأسواق المالية، حتى لو بقيت السفن والطائرات تعمل. لهذا السبب، انتقل المنطق العسكري من مفهوم "السيطرة على السماء" إلى مفهوم أكثر عمقاً وأشد خطورة: "السيطرة على المدار".
ما تكشفه الوثائق العسكرية
الخطر الحقيقي في المدار المنخفض يكمن في هشاشة الحدود بين الردع والتصعيد. فكل اختبار تقني، حتى لو قُدّم بوصفه عملية "تنظيف حطام" أو "مناورة بحثية"، يمكن أن يُقرأ في واشنطن استعداداً لمواجهة مستقبلية. وفي هذا المشهد، يصبح كل قمر صناعي تجريبي رسالةً سياسيةً وعسكريةً في آنٍ واحد.
الطرفان لا يُعلنان صراحةً أنهما يستعدان لحرب فضائية، لكنهما يتصرفان كما لو أن هذا الاحتمال قائم ووشيك. ومع تسارع التقدم التقني، قد تكون المناورة بقمر صناعي أو تعطيل إشارة، لا إطلاق صاروخ، هي الشرارة الأولى لمواجهة غير مُعلنة في المدار.
وتجد واشنطن نفسها أمام هذا الواقع مضطرةً إلى إعادة تقييم كل مناورة فضائية صينية، حتى حين تُقدَّم في صورة بحثية أو مدنية، في ظل برنامج يتسارع وتيرته ويُعمّق التنافس في آخر الحدود الاستراتيجية المفتوحة.
يمكن الاستماع لـ "بودكاست النشرة الرقمية" على مختلف منصات البودكاست. الرابط للبودكاست على منصة أبل
للتواصل مع نايلة الصليبي عبر صفحة برنامَج"النشرة الرقمية"من مونت كارلو الدولية على لينكد إن وعلى تويتر salibi@ وعلى ماستودون وبلوسكاي عبر موقع مونت كارلو الدولية مع تحيات نايلة الصليبي
Fler avsnitt av النشرة الرقمية
Visa alla avsnitt av النشرة الرقميةالنشرة الرقمية med مونت كارلو الدولية / MCD finns tillgänglig på flera plattformar. Informationen på denna sida kommer från offentliga podd-flöden.
